ابن عجيبة

580

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

مشركين ، فحينئذ يختم على أفواههم ، وتتكلم أيديهم وأرجلهم . وفي الحديث : « يقول العبد يوم القيامة : إني لا أجيز علىّ إلا شاهدا من نفسي ، فيختم على فيه ، ويقال لأركانه : انطقى ، فتنطق بأعماله ، ثم يخلّى بينه وبين الكلام ، فيقول : بعدا لكنّ ، وسحقا ، فعنكنّ كنت أناضل » « 1 » . الإشارة : كل من آثر حظوظه ومناه ، ولم يقدر على مجاهدة هواه ، حتى مات محجوبا عن اللّه ، يلحقه شئ من هذا التقريع . والصراط المستقيم : هو طريق التربية ، التي توّصل إلى الحضرة ، التي قام بيانها الأولياء العارفون باللّه . ولقد أضلّ الشيطان عنها خلقا كثيرا ، حملهم على طلب الدنيا والرئاسة والجاه ، فلم يقدروا على التفرغ لذكر اللّه ، ولم يحطوا رؤوسهم لمن يعرّفهم باللّه ، فيقال لهم : هذه نار القطيعة التي كنتم توعدون ، إن بقيتم مع حظوظهم ورئاستكم ، اصلوها اليوم بكفركم بطريق التربية ، اليوم نختم على أفواههم ، فلا مناجاة بينهم وبين حبيبهم ، وتكلمنا أيديهم ، وتشهد أرجلهم - بلسان الحال أو المقال - بما كانوا يكسبون من التقصير . قال القشيري : قوله : وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ . . . . إلخ ، فأمّا الكفار فشهادة أعضائهم عليهم مؤبدة ، وأما العصاة من المؤمنين فقد تشهد عليهم أعضاؤهم بالعصيان ، ولكن تشهد عليهم بعض أعضائهم بالإحسان ، وأنشدوا : بيني وبينك يا ظلوم الموقف * والحاكم العدل ، الجواد المنصف . وفي بعض الأخبار المروية : أن عبدا شهدت أعضاؤه عليه بالزّلّة ، فتطير شعرة من جفن عينه ، فتشهد له بالشهادة . فيقول الحق تعالى : يا شعره جفن عبدي احتجّى عن عبدي ، فتشهد له بالبكاء من خوفه ، فيغفر له ، وينادى مناد : هذا عتيق اللّه بشعرة . ه . ثم هددهم في دار الدنيا ، فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 66 إلى 68 ] وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ( 66 ) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ( 67 ) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ ( 68 )

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في ( الزهد ، 4 / 2880 ، ح 2969 ) من حديث سيدنا أنس بن مالك رضي اللّه عنه .